إلغاء نتائج الدوائر : أزمة تكشف عيوبا في النظام الانتخابي
علق الكاتب الصحفي حسن عزام مدير تحرير الاهرام في تصريح لموقع (مصر الان) بالقول بأن مصرتشهد أزمة انتخابية غير مسبوقة في حجمها وتداعياتها بعد صدور قرارين متتاليين بإلغاء نتائج عدد كبير من الدوائر الانتخابية في المرحلة الأولى من انتخابات مجلس النواب لعام 2025 حيث أعلنت الهيئة الوطنية للانتخابات إبطال نتائج 19 دائرة انتخابية موزعة على سبع محافظات تلاها قرار المحكمة الإدارية العليا الذي صدر ليل أمس بإلغاء نتائج 28 دائرة إضافية ليرتفع العدد الإجمالي للدوائر الملغاة إلى 47 دائرة من أصل 70 دائرة شاركت في المرحلة الأولى أي بنسبة تقارب 67 بالمئة من الدوائر وهو ما يمثل أكبر موجة إلغاء انتخابي في تاريخ مصر الحديث ويطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل العملية الديمقراطية والنظام الانتخابي برمته في البلاد تستوجب إعادة صياغة المشكلة بشكل أكثر دقة وعمقاً لفهم جذورها ووضع حلول استراتيجية فعالة.
وأضاف عزام أن التحقيقات التي أجرتها الهيئة الوطنية للانتخابات أظهرت والمحكمة الإدارية العليا وجود انتهاكات جسيمة تمثلت في خروقات واضحة أمام لجان الاقتراع وعدم تسليم المرشحين أو وكلائهم صورا من محاضر حصر الأصوات وهو حق قانوني أساسي يضمن الشفافية والرقابة على عملية الفرز كما كشفت التحقيقات عن تفاوت غير مبرر في عدد الأصوات المسجلة بين اللجان الفرعية واللجان العامة مما يشير إلى احتمالات التلاعب في النتائج أو وجود أخطاء إدارية جسيمة وقد اعتبرت الهيئة والمحكمة أن هذه المخالفات تمثل عيوباً جوهرية تنال من نزاهة ومشروعية عمليتي الاقتراع والفرز بشكل يستحيل معه الوثوق بالنتائج المعلنة وجاء قرار المحكمة الإدارية العليا أكثر صرامة من قرار الهيئة حيث أضافت ثماني دوائر إضافية إلى قائمة الإلغاء بعد مراجعة دقيقة للطعون والمستندات المقدمة وهو ما يعكس وجود فجوة بين التقييم الأولي للهيئة والواقع الفعلي للمخالفات على الأرض.
إن حجم الإلغاء الذي طال ثلثي دوائر المرحلة الأولى يكشف عن أزمة هيكلية عميقة في النظام الانتخابي المصري تتجاوز مجرد أخطاء إجرائية أو انتهاكات فردية لتصل إلى منظومة متكاملة من الخلل الإداري والسياسي فالمشكلة لا تقتصر على المخالفات المرصودة في هذه الدوائر بل تمتد لتشمل ضعف الرقابة المسبقة على العملية الانتخابية وقصور آليات المتابعة الميدانية وغياب الردع الفعال للممارسات غير القانونية إضافة إلى تغول المال السياسي الذي أصبح يلعب دورا محوريا في تحديد النتائج بعيداً عن إرادة الناخبين الحقيقية وقد سبق إعلان النتائج تدخل مباشر من وأشار الى أن الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي أصدر بيانا حادا انتقد فيه المخالفات الواسعة وطالب الهيئة بالتحقيق الجاد وعدم التردد في إلغاء كامل المرحلة الأولى إن لزم الأمر مما يعكس حجم الإحراج السياسي الذي تسببت به هذه الفضيحة الانتخابية.
تتعدد التداعيات السياسية والقانونية لهذه الأزمة على عدة مستويات ففي المستوى السياسي تواجه مصر أزمة ثقة حادة في مؤسساتها الانتخابية حيث يصعب على المواطن العادي أن يثق في نزاهة عملية انتخابية يتم إلغاء ثلثي نتائجها بسبب مخالفات جوهرية وهذا يضرب في الصميم مفهوم المشاركة السياسية ويعزز حالة العزوف عن الانتخابات التي تعاني منها مصر أصلا حيث لم تتجاوز نسبة المشاركة في المرحلة الأولى 24 بالمئة من إجمالي 35 مليون ناخب مسجل أما على المستوى القانوني فإن هذا الحجم من الإلغاء يطرح تساؤلات عديدة وهو ما دفع المحكمة الإدارية العليا لرفض 100 طعن لزوال المصلحة بعد أن شمل الإلغاء دوائر المتقدمين بها مما يعني أن المحكمة تعاملت بصرامة غير معهودة مع هذا الملف وعلى المستوى الاجتماعي خلقت الأزمة حالة من الإحباط لدى المرشحين الذين أنفقوا أموالاًطائلة وجهودا كبيرة في حملاتهم الانتخابية ليجدوا أنفسهم أمام إعادة كاملة للعملية بينما يزداد شعور المواطنين بأن أصواتهم لا قيمة لها في ظل منظومة مليئة بالثغرات.
واوضح أنه تتطلب معالجة هذه الأزمة المعقدة النظر في عدة بدائل استراتيجية تتفاوت في جذريتها ومدى تأثيرها فالبديل الأول يتمثل في إعادة الانتخابات في الدوائر الملغاة فقط مع تشديد الرقابة والإشراف القضائي وهو الخيار الذي تبنته الهيئة الوطنية للانتخابات حيث حددت موعدا جديدا لإجراء الانتخابات في هذه الدوائر ويتميز هذا الخيار بأنه الأقل تكلفة والأسرع من حيث التنفيذ كما أنه يحافظ على الجدول الزمني العام للعملية الانتخابية لكنه يعاني من قصور جوهري يتمثل في أنه يعالج الأعراض دون الأسباب الجذرية للمشكلة فالمخالفات التي حدثت لم تكن وليدة الصدفة بل نتاج منظومة معطوبة وإعادة الانتخابات بنفس الآليات والإجراءات قد يؤدي لتكرار نفس المخالفات أو ظهور أنماط جديدة منها كما أن هذا الخيار لا يعالج مسألة فقدان الثقة الشعبية في العملية برمتها والتي قد تتفاقم إذا تكررت المشاكل.
البديل الثاني الأكثر جذرية يقضي بإلغاء كامل المرحلة الأولى وإعادة الانتخابات في جميع الدوائر السبعين بعد إصلاح شامل لمنظومة الإدارة الانتخابية وقد دعا الرئيس السيسي إلى عدم التردد في هذا الخيار إذا اقتضت الضرورة كما طالبت عشر منظمات حقوقية مصرية بتبني هذا الحل لضمان العدالة والمساواة بين جميع الدوائر ويتميز هذا البديل بأنه يوفر فرصة حقيقية لإصلاح النظام الانتخابي بشكل جذري من خلال إعادة تدريب القائمين على اللجان وتطوير نظم الرقابة وتفعيل دور المراقبين المحليين والدوليين واستخدام التكنولوجيا في تأمين العملية كما أنه يعيد بناء الثقة بإرسال رسالة واضحة بأن الدولة جادة في تحقيق انتخابات نزيهة لكن هذا الخيار يواجه تحديات كبيرة أبرزها التكلفة المالية الضخمة والتأخير الكبير في تشكيل البرلمان والإرهاق السياسي والاجتماعي الذي سيخلفه لدى المرشحين والناخبين على حد سواء.
وأشار إلى البديل الثالث يتمثل في الإبقاء على نتائج الدوائر التي لم يتم الطعن فيها أو التي رفضت المحكمة الطعون المقدمة بشأنها وإعادة الانتخابات في الدوائر الملغاة مع إجراء إصلاحات جزئية عاجلة تشمل تغيير القيادات الإدارية في اللجان التي شهدت مخالفات وتشكيل لجان رقابة قضائية مكثفة وتطبيق عقوبات رادعة بحق المخالفين وهذا البديل يمثل حلا وسطا بين الخيارين السابقين حيث يحقق توازنا بين ضرورة استمرار العملية الانتخابية ومتطلبات الإصلاح لكنه يظل محدود الأثر لأنه لا يعالج البنية التحتية الخربة للنظام الانتخابي ككل.
البديل الرابع يدعو إلى تأجيل الانتخابات بالكامل حتى يتم إصدار قانون انتخابات جديد يعالج الثغرات القائمة ويضع ضوابط صارمة على استخدام المال السياسي ويفعل دور المجتمع المدني في المراقبة ويضمن استقلالية حقيقية للهيئة الوطنية للانتخابات ويعزز دور القضاء في الإشراف على جميع مراحل العملية هذا الخيار يعالج المشكلة من جذورها لكنه يصطدم بإشكاليات دستورية كبيرة حيث أن الدستور المصري يحدد مواعيد محددة لإجراء الانتخابات البرلمانية كما أنه سيخلق فراغا تشريعيا قد تكون له تداعيات سلبية على الحياة السياسية.
يتطلب الوصول إلى التوازن الأمثل بين هذه البدائل الأخذ في الاعتبار عدة معايير أساسية أولها معيار الجدوى حيث يجب أن يكون الحل قابلاً للتطبيق عملياً في ظل الإمكانيات المتاحة والظروف السياسية والاجتماعية الراهنة وثانيها معيار الفعالية أي قدرة الحل على معالجة المشكلة بشكل جذري وليس مجرد تأجيلها وثالثها معيار القبول السياسي والاجتماعي حيث يجب أن يحظى الحل بقبول واسع من مختلف القوى السياسية والمجتمعية ورابعها معيار الاستدامة بمعنى أن يؤسس الحل لمنظومة انتخابية قوية قادرة على منع تكرار هذه الأزمات مستقبلاً.
بناءً على هذه المعايير يبدو أن الخيار الأمثل يكمن في صيغة هجينة تجمع بين عناصر من البدائل المختلفة تبدأ بإعادة الانتخابات الفورية في الدوائر الملغاة مع تطبيق إجراءات رقابية مشددة غير مسبوقة تشمل زيادة عدد القضاة المشرفين على اللجان وتفعيل دور المراقبين المستقلين من المجتمع المدني والسماح بوجود ممثلين عن المرشحين في كافة مراحل الفرز والإعلان عن النتائج مع استخدام تقنيات حديثة لتوثيق كل خطوة من خطوات العملية بالصوت والصورة بشكل يمنع أي تلاعب محتمل بالتوازي مع ذلك يجب إطلاق عملية إصلاح تشريعي وإداري شاملة تستهدف تطوير منظومة الانتخابات المصرية على المدى المتوسط بحيث تشمل تعديل قانون الانتخابات لتضييق نطاق استخدام المال السياسي عبر وضع سقوف واضحة للإنفاق الانتخابي مع آليات رقابية صارمة وتطوير البنية التكنولوجية للعملية الانتخابية من خلال ميكنة أكبر قدر ممكن من العمليات بدءا من التسجيل مرورا بالاقتراع وانتهاءً بالفرز وتعزيز استقلالية الهيئة الوطنية للانتخابات عبر ضمانات قانونية ومالية وإدارية أقوى وإشراك المجتمع المدني بشكل فعال في كافة مراحل العملية الانتخابية.
لا يمكن إغفال السيناريوهات المستقبلية المحتملة في ضوء هذه الأزمة فالسيناريو الأول الأكثر تفاؤلاً يفترض نجاح الإجراءات التصحيحية في إعادة الثقة للعملية الانتخابية مما يؤدي إلى إجراء انتخابات نزيهة نسبيا في الدوائر الملغاة وإقرار إصلاحات جوهرية تضمن عدم تكرار المشكلة في المرحلة الثانية من الانتخابات وفي الاستحقاقات المستقبلية وفي هذا السيناريو تتحول الأزمة الحالية إلى فرصة لبناء نظام انتخابي أكثر نضجاً وشفافية يعزز الثقة الشعبية في المؤسسات الديمقراطية ويفتح المجال لمشاركة سياسية أوسع أما السيناريو الثاني الأكثر احتمالا فيشير إلى إجراء انتخابات في الدوائر الملغاة بإشراف أكثر صرامة لكن دون إصلاحات جذرية في البنية التحتية للنظام الانتخابي مما يعني أن المشاكل قد تتكرر بأشكال مختلفة في المرحلة الثانية أو في انتخابات لاحقة وفي هذا السيناريو تستمر أزمة الثقة في النظام الانتخابي مع تزايد العزوف الشعبي عن المشاركة وتصاعد الانتقادات المحلية والدولية للعملية الديمقراطية في مصر.
السيناريو الثالث الأكثر تشاؤما يتصور فشل الإجراءات التصحيحية وتكرار المخالفات على نطاق واسع في الانتخابات المعادة مما يضطر السلطات إلى إلغاءات جديدة أو التغاضي عن المخالفات رغم وضوحها حفاظا على ماء الوجه وفي كلتا الحالتين ستواجه مصر أزمة شرعية حادة في مؤسساتها التمثيلية قد تؤثر سلبا وتفتح الباب أمام مطالبات بإصلاحات دستورية شاملة .
واردف الي إن إعادة صياغة المشكلة بدقة أكبر تقتضي الاعتراف بأن ما حدث ليس مجرد أزمة إدارية عابرة بل هو تجلٍ لأزمة بنيوية عميقة تتمثل في غياب المساءلة الحقيقية وضعف الرقابة المؤسسية وهيمنة المال السياسي على الحياة العامة فالمشكلة الحقيقية ليست في وجود مخالفات فهذا أمر متوقع في أي عملية انتخابية بل في حجم هذه المخالفات واتساع نطاقها وعدم قدرة المنظومة على منعها أو اكتشافها مبكراً مما يدل على خلل عميق في آليات الحوكمة الانتخابية لذلك فإن الحل الفعال يجب أن يتجاوز مجرد إعادة الانتخابات إلى إعادة بناء الثقة في المؤسسات الديمقراطية ككل من خلال شفافية حقيقية ومساءلة صارمة وإشراك حقيقي للمواطنين والقوى السياسية في صنع القرار.
تتطلب المعالجة الفعالة لهذه الأزمة أيضا مواجهة صريحة لظاهرة المال السياسي التي أصبحت السمة الأبرز للانتخابات المصرية حيث تحولت العملية الانتخابية إلى مزاد علني يفوز فيه من يملك أكبر قدر من المال بغض النظر عن برنامجه السياسي أو كفاءته أو التزامه بالقانون وهذا يتطلب إصلاحات جذرية تشمل تشديد العقوبات على شراء الأصوات وتفعيل دور الرقابة المالية على الحملات الانتخابية ووضع سقوف ملزمة للإنفاق الانتخابي مع آليات شفافة للإفصاح عن مصادر التمويل كما يجب معالجة ظاهرة المحسوبية التي تفرغ العملية الديمقراطية من مضمونها وتحولها إلى مجرد ديكور شكلي يخفي استمرار سيطرة نفس النخب والعائلات على الحياة السياسية.
على المستوى الدولي قد تؤثر هذه الأزمة على صورة مصر كدولة تسعى لتعزيز الديمقراطية في منطقة تعاني من عدم الاستقرار السياسي حيث قد تستغل بعض الأطراف هذه الأحداث للتشكيك في جدية الإصلاحات السياسية التي تتحدث عنها القيادة المصرية لذلك فإن التعامل الشفاف والحاسم مع هذه الأزمة ليس مجرد ضرورة داخلية بل هو أيضاً رسالة للمجتمع الدولي بأن مصر ملتزمة بالمعايير الديمقراطية ولا تتسامح مع الانتهاكات مهما كانت الظروف وهذا يتطلب دعوة مراقبين دوليين مستقلين للإشراف على الانتخابات المعادة ونشر تقارير شفافة عن سير العملية والتعاون مع المنظمات الحقوقية الدولية في تقييم الأداء الانتخابي.
إن الأزمة الانتخابية الحالية رغم خطورتها قد تمثل فرصة ثمينة لإحداث إصلاحات حقيقية في النظام السياسي المصري إذا تم التعامل معها بجدية وشفافية وإرادة سياسية حقيقية فالمطلوب ليس مجرد إعادة انتخابات أو إجراءات تجميلية بل إعادة بناء كاملة لمنظومة الحوكمة الانتخابية تقوم على الشفافية والمساءلة والمشاركة الحقيقية للمواطنين وهذا يتطلب تضافر جهود كل مكونات المجتمع المصري من مؤسسات الدولة والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والمواطنين العاديين لبناء نظام ديمقراطي حقيقي يضمن تمثيلا نزيها لإرادة الشعب ويفتح الباب أمام مشاركة سياسية واسعة ومستدامة تعزز الاستقرار والتنمية والعدالة الاجتماعية التي يستحقها الشعب المصري






